الشيخ البهائي العاملي
109
العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )
بحسب ما أدّت إليه مألوفاتهم « 1 » ، واستقرّت عليه متعارفاتهم ، وهذا يؤذن بتوسيع دائرة الثناء وعدم تضيّقها « 2 » بالقصر على ما هو كذلك بحسب نفس الأمر ؛ فإنّ ما يثنى به عليه - سبحانه - ربما كان بمراحل عن سرادقات كماله ، وبمعزل عن أن يليق بكبرياء جلاله ؛ لكنّه - جلّ شأنه - رخّص لنا في ذلك ، وقبل منّا هذه البضاعة المزجاة ؛ لكمال كرمه وإحسانه ؛ بل أثابنا عليها بوفور لطفه وامتنانه ، كما أنّه - سبحانه - لم يوجب علينا أن نصفه إلّا بمثل الصفات التي ألفناها وشاهدناها وكانت بحسب حالنا مزيّة ، وبالنسبة إلينا كمالا ، كالكلام والحياة والإرادة والسمع والبصر وغيرها ممّا أحاطت به مداركنا ، وانتهت إليه طليعة أوهامنا ؛ دون ما لم تصل إليه أيدي عقولنا ، ولا تتخطّى إلى عزّ ساحته أقدام أفهامنا . وناهيك في هذا الباب بكلام الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام ، فقد روي عنه عليه السّلام أنّه قال لأصحابه : « كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق ، مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للّه زبانيتين ؛ فإنّ ذلك كمالها ، وتعتقد أنّ عدمهما نقصان لمن لا يتّصف بهما ، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به ، وإلى الله المفزع » « 3 » . ومن تأمّل هذا الكلام الشريف بعين البصيرة ، فاحت « 4 » عليه من أزهاره نفحة
--> ( 1 ) . في هامش « ع » : « هذا الكلام مبنيّ على الإغماض عن جعل اللام عهديّة ، بل وعن جعلها استغراقيّة أيضا » . ( منه رحمه اللّه ) . ( 2 ) . في « ش » و « د » : « تضييقها » . ( 3 ) . « المحجّة البيضاء » ج 1 ، ص 220 ، كتاب قواعد العقائد ، ذيل الباب ( 2 ) في التوحيد ؛ « بحار الأنوار » ج 66 ، ص 293 ، باب صفات خيار العباد . . . ، ذيل عبارات المنقولة عن الشيخ البهائي . وإليك نصّ الحديث من « محجّة البيضاء » : وعن الباقر عليه السّلام : « هل سمّي عالما وقادرا إلّا لأنّه وهب العلم للعلماء ، والقدرة للقادرين ، وكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ، والبارئ تعالى واهب الحياة ومقدّر الموت ، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للّه زبانيتين ؛ فإنّهما كمالها ، وتتصوّر أنّ عدمهما نقصان لمن لا يكونان له ، هكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به فيما أحسب . وإلى الله المفزع » . ( 4 ) . « فاحت ريح المسك : انتشرت رائحته » ( « لسان العرب » ج 2 ، ص 550 ، « فوح » ) .